محمد بن جرير الطبري

32

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : حَلالًا طَيِّباً وأحل الله الغنيمة لهم . القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يقول تعالى ذكره لأهل بدر الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداء : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يقول : لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله محل لكم الغنيمة ، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يعذب أحدا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسولا الله صلى الله عليه وسلم ناصرا دين الله ؛ لنا لكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية ، قال : إن الله كان مطعم هذه الأمة الغنيمة ، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به . قال : فعاب الله ذلك عليهم ، ثم أحله الله . حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، عن عوف ، عن الحسن ، في قول الله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية ، وذلك يوم بدر ، أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المغانم والأسارى قبل أن يؤمروا به ، وكان الله تبارك وتعالى قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلال لمحمد وأمته ، ولم يكن أحله لأمة قبلهم . وأخذوا المغانم ، وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك ، قال الله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية ، وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم إذا أصابوا مغنما جعلوه للقربان ، وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلا أو كثيرا ، حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته ، فكانوا لا يأكلون منه ولا يغلون منه ولا يأخذون منه قليلا ولا كثيرا إلا عذبهم الله عليه . وكان الله حرمه عليهم تحريما شديدا ، فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم . وكان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال ، فذلك قوله يوم بدر في أخذ الفداء من الأسارى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن عروة ، عن الحسن : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال : إن الله كان معطي هذه الأمة الغنيمة ، وفعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل الغنيمة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال : قال الأعمش ، في قوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال : سبق من الله أن أحل لهم الغنيمة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن بشير بن ميمون ، قال : سمعت سعيد ا يحدث عن أبي هريرة ، قال : قرأ هذه الآية : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ قال : يعني : لولا أنه سبق في علمي أني سأحل الغنائم ، لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، وأبو معاوية ، بنحوه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم ، كانت تنزل نار من السماء وتأكلها " ، حتى كان يوم بدر ، فوقع الناس في الغنائم ، فأنزل الله لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ حتى بلغ حَلالًا طَيِّباً . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه ، قال : فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم . حدثنا